محمد باقر الملكي الميانجي

51

مناهج البيان في تفسير القرآن

ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي ، كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفا واحدا . ثمّ وضع يده على صدري ودعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما وفهما ، وحكما ونورا . فقلت : يا نبيّ اللّه بأبي أنت وأمّي منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شيء لم أكتبه أفتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد ؟ فقال : لا ، لست أتخوّف عليك النسيان والجهل . أقول : فيه تصريح بما ذكرنا أنّه لم يستجمع عندهم شرائط الاستنباط ولم يستحكم عندهم أصول التفسير في مرتبة العلوم الخاصّة . واتّضح غايته أنّ الأخبار المصرّحة بتحريم التفسير بالرأي على كثرتها وشيوعها إنّما هي في مرتبة علومه الخاصّة فقط لا غير . وتحصّل أنّ إعمال الرأي والاستنباط في هذه المرتبة لا مجوّز له بوجه أصلا . ولا يجوز الاقتحام في تلك المرتبة والاستقلال في الإفتاء والقضاء والنظر القطعيّ في العلوم الراجعة إلى تلك المرتبة . وإرجاع الآيات بعضها إلى بعض رجم بالغيب وقول بلا علم ، فربّ عامّ في الكتاب خاصّ في السنّة وخاصّ أيضا في آيات أخرى متأخّره . وربّ فريضة في الكتاب سنّة في السنّة وهكذا في غيرها من أبواب العلوم والمعارف . فقد تبيّن بأنور بيان أنّ هذا الّذي ذكرناه لا ينافي حجّية القرآن الكريم لجميع أهل العالم من الجنّ والإنس فلا تزاحم بين أدلّة حجّية القرآن وبين الروايات المانعة عن التفسير بالرأي والتأويل ، فكلّ حقّ في بابه . والّذين ادّعوا استقلالهم في القرآن واستغنوا عن الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ما أتوا بشيء مبين وكلمة فصل في الجمع بين هذه الأدلّة ، ولم يشعروا أنّ المانعة خاصّة والمثبتة عامّة ولا تنافي بين الخاصّ والعامّ فيجب تحكيم الخاصّ على العامّ . فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ مورد التفسير بالرأي المحرّم هو الاستقلال في تفسير القرآن في مرتبة علومه الخاصّة لا سيّما ما كانت المقيّدات والمخصّصات مودعة عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . ولا يكفي في المقام تفسير القرآن بالقرآن . ومعنى التعليم من الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام ليس هو التذكير والإرشاد والتنبيه . فإنّ هذا إنّما هو في باب دعوته العامّة ومخاطبته الكلّ ، فباب التذكّر والإرشاد ،